ابن كثير

16

البداية والنهاية

ويقال إن أول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء إلى أبي عبيدة فقال : إني قد تهيأت لامري فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، تقرئه عني السلام وتقول : يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا . قال : فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله . قالوا : وثبت كل قوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا . فلم تر يوم اليرموك ( إلا ) مخا ساقطا ، ومعصما نادرا ، وكفا طائرة من ذلك الموطن . ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التي حملت على ميمنة المسلمين فأزالوهم إلى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال : والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رأيتم ، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم . ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة ألف فما وصل إليهم حتى انفض جمعهم ، وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد ، فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم . قالوا : وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والابطال يتصاولون من كل جانب ، إذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع إلى خالد بن الوليد فقال له : ما الخبر ؟ فقال له - فيما بينه وبينه - : إن الصديق رضي الله عنه قد توفي واستخلف عمر ، واستناب على الجيوش أبا عبيدة عامر بن الجراح . فأسرها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال ، وقال له والناس يسمعون : أحسنت ، وأخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة ، وأوقف الرسول الذي جاء بالكتاب - وهو منجمة ( 1 ) بن زنيم - إلى جانبه . كذا ذكره ابن جرير بأسانيده . قالوا وخرج جرجه أحد الامراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما ، فقال جرجه : يا خالد أخبرني فأصدقني ولا تكذبني ، فإن الحر لا يكذب ، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله ، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد ( 2 ) إلا هزمتهم ؟ قال : لا ! قال : فبم سميت سيف الله ؟ قال : إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا ، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه ، وبعضنا كذبه وباعده ، فكنت فيمن كذبه وباعده ، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه ( 3 ) ، فقال لي : أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين . ودعا لي بالنصر ، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين . فقال جرجه : يا خالد إلى ما تدعون ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده

--> ( 1 ) في الطبري : محمية . ( 2 ) في الطبري : قوم . ( 3 ) في الطبري : فتابعناه .